مُداخَلة – “الرحّالة” سامي كليب… شَلاَّلٌ ينْهَمِرُ عَطاءً

موقع “ألف لام” – “جائزة الأكاديميّة العربيّة” – د. كلوديا أبي نادر

“باسم مؤسّس مجلسِ الفكر حينّنا أبي نادر والأعضاء، أرحّبُ بكم وأشكُرُ حضورَكم.

كَلَّفني معالي وزير الثقافة الدكتور محمد داود داود، إلقاء َ مداخَلتِهِ، َفشَرّفني.

أمّا بعد، ماذا عن كتاب الرحّالة للدكتور سامي كليب؟

يَموتُ بُبْطءٍ من لا يُسافرُ،…
يَموتُ بُبطءٍ من يغدو عبداً للرتابة،…

يَموتُ بُبطءٍ من لا يُغامِرُ كي يُحقِّقَ أحلامَهُ عِشْ الآن، غامِرْ اليومَ، لا تَمُتْ بُبطءٍ، ولا تَحْرُمْ نَفْسَكَ السعادة” Pablo Neruda .

أَهَمُ من جابُوا العالَم: كريستوف كولومبوس، إبن بطوطه ،Magellan، Charles Darwin، Marco Polo، وغيرُهُم. إلاّ أنَّ أَهَمَّهمُ بالنسبةِ إليَّ الدكتور سامي كليب، لأنّني عَرفْتُهُ عن كَثَبٍ، فأغناني بَمِعينِهِ الفِكريّ والثقافيّ والإنسانيّ.

قال Lao Tseu: “ليس للمسافِرِ الجيّدِ وِجْهَةٌ مُعَيَّنةُ، وليس في نِيّتهِ الوُصولُ إلى مكانٍ ما”. والإعلامي والمراسل والصحافي والمُحَلِّلُ السياسيُّ الدكتور سامي كليب تَحَّينَ الفُرَصَ العَمَليّةَ للإسْتكشافِ، إلاّ أنّه سافر على عاتِقِه في أغْلَبِ الأحيانِ، إيماناً منه بأنَّ البقاءَ في المكان نَفسِهِ يعني أنّه موجودٌ، بينما السَفَرُ يُشْعِرُهُ بأنَّه حَيْ.

مسكونٌ د. كليب بالرحَّالةِ إبنِ بَطُوطه، والفاصِلُ بينهُما أكثَرُ من سُبْعِمئَةٍ عام! وما الرحيلُ المادِيُّ سوى تَطْوافٍ في هَيْكلِ الذاتً السيمُورِغيّة، بداية البداياتِ ونهايةِ التَسلقِ العَكْسيّ على جَبَل فاق. أما قال “Oliver Follmi” إنّما السَفَرُ ذَهابٌ لاكْتشَافِ الآخرِ، وأوَّلُ مَجْهولٍ يَتَوجَّبُ اكْتِشافُهُ هو ذاتُنا”. والكلمةُ – المفتاحُ تبقى المغامرة ، ثَلاثَةُ أقاليم للسَفَرِ: إنتظارُ شيءٍ ما غيرِ عاديٍّ، والدهشَةُ والذكريات.

” الرحّالةُ” مُؤَلَّفٌ ينتمي الى أَدَبِ الرحِلاْتِ والذي يُرْتكزُ على الذاكرةِ والأسُلوبِ السَردْيّ والهدفِ من كتابتَهِ. ويحكي أدبُ السَفَرِ عن الشَعُوبِ والحضاراتِ وهو مقرونٌ بالمشاعرِ والإنَطباعاتِ ووِجْهاتِ النَظَرِ والتَعليقاتِ الشخصيّة.

نَقَلَنا الدكتور كليب الى عوالمَ تُشْبِهُنا أحياناً، او تُناقِضُ طريقةَ عَيْشِنا وتَفْكِيرنا، بطريقةٍ عِلْميّةٍ تَعِكْسُ الواقِعَ، بدونِ إغفالِ التحليلِ التاريخيّ للمُعطى الزمنّي والجغرافي المُحَدَّدْ.

كُلُّ مُتقَّفٍ، كالدكتور كليب صِداميّ، كما يقولُ pSartre لا يُوارِبُ، ولا يَخْشى قولَ الحقيقة. فالبَحَّاثةُ لا يًكتفي بِنَقْلِ الواقعِ كَعَيْنِ الكاميرا، بل يُلقي الضوءَ على تاريخِ العَلاقات ِ الدوليّةِ، إجتماعياً واقْتصادياً وسياسياً ودينياً وعَقَائدياً، على البُلدانِ التي يَزُورُها ويُعايِشُ إِنسانَها وتقاليدَها وحضارتَها.

د. سامي كليب، من يرى هُدوءَكَ ورَصانَتَكَ نادراً ما يَشْعُرُ بِتَبَرْكُنِ أفكارِكَ وحِمَمِ تَوْرَتِكَ المتأججة رفضاً لكلّ ما يَعتري حياةَ الإنسانِ من شوائبَ. أراكَ تُردِدّ مُع أبي القاسمِ الشابيّ: “ومن يَتَهَيَّبْ صُعودَ الجبال يَعِشْ أبَدَ الدَهْرِ بين الحُفَرِ”

أيا صديقَ مجلس الفكر،
دِيُنكَ ومَذْهَبُكَ وطائِفتُكَ ودَيْدَنُكَ وقِبْلَةُ طموحاتِكَ، هي الإنسانُ في كُلّ الأعراق والأجناس والدياناتِ والحضارِاتِ، الإنسانُ الواعي والمُتَقّفُ والحضاريّ، والمُنزَهُ عن عُيوبِ التَخلُّفِ الغَمائِميّ والمنُغُمِسُ في تَقَوْقعُ التَطَرُّفِ الدينيّ ، والمغالاةِ في الحِسِّ القَوْميّ، ورَفْضِ الآخرِ، أياً يَكُنْ، كَمَنْ يقولُ: “من يَشْبَهُنا هو مَعَنا، ومن يُخالفُنا الرأيَ هو ضِدُّنا”.

قُلْتَ في مَدْخَلِ كتابكَ”: تَعَّلمتُ أِنْ يَتَّسِعَ عقلي لِكُلّ الحضارات، وأن يَتَقَبلَ الآخرَ كما هو، وأن أُحاوِرَهُ وأُحِبَّهُ” (ص9) والمدخلُ هو بابُ قَلْبِ وفِكْرِ المؤلّف. ومَدْخَلُ “الرحّالة” إيجازٌ لسَبْعمايةِ وثمانية عَشَرَ صفحة” تَكَلَّمْتَ عن الصِراعِ بين الدياناتِ، وتَوْظيفِ الدين لغاياتٍ مشبوهة، وانْتَقَدْتَ سياسةَ المُستَعمِرِينَ والمُستعبدين، وَفَضَحَتَ مأساةَ الجُوعِ، كما في الصَومال. وَوَصْفُكَ للفُقْرِ المُدْقَعِ اتَّخَذَ بُعْداً مَلْحمياً، فَضَحَ سوادَ وإجرامَ قَلْبِ البَشَرَ، قُلْتَ: “ها أنا أمامَ هَيْكَلَينْ عَظمِيْيّن، فَتَحَ أَحَدُهُما عينيهِ حينما اقْتَرَبْتُ منه، ثم أَغْمَضَهُما” (ص75).

د. سامي كليب، أَعْجَزُ عن اخْتِصار خمسةٍ وعشرينَ سنةً من السَفَرِ في مُعْظمِ بُلدانِ الكُرةِ الأرضيّة في عَشْر دقائقَ مُنِحَتْ لي لأنْقُلَ مَشْهدّياتٍ حُلوةً وُمّرة، غريبة ومُسْتَهْجَنَةً، رائعةً وصادمة. أيٌّها القَصّاصُ الأوديسّي، أيُّها الراوي الموباسّانيّ، أيٌّها الواصِف البلزاكيّ أيُّها المُحبُّ اليسوعيّ، جراحاتُ المقهورينَ، والمظلومينَ والمُستَعْبدَينَ والفقراءِ ومَسْلوُبي الكرامةِ وعِزَّةِ النفسِ، حَمَلْتَها في أَسْفارِكَ صليباً رَزَحَتْ تحتهُ طِيبُتكَ المُمْعِنَةُ وِصالاً وعِناقاً لإِنسانيّةٍ هَشَّةٍ، وعالمٍ عَرَبيّ يَترْاجَعُ القَهْقَرى عَلى وقع الجَهْلِ والتَعَصُّبِ والإدّعاءِ، لا يَقْرَأُ، وإن فَعَلَ، فِتِبْعاً، كما تقولُ “لِغَرائِزِهِ لا بعَقِلِه” (ص425).

د. سامي كليب، أيُّها الشَلاَّلُ المُنْهِمِرُ عَطاءً، قُلْتَ:” لا يُمِكنُ لبني البّشر أَن يُحافظوا على هذا الكونِ إلاّ بالحُبِ والتَسامُحَ”، وبدَوري أقولُ: أَحبْ بدونِ تَحَفّظٍ، وأبْدِعْ أَكْثَرَ مِمّا تَسْتَطيع قَدَرُ المَحِظييّنَ في عَيْنَيِّ الرَبِّ أن يُنافسُوا الحياةَ على الحياة.

******
مداخلة رئيسة مجلس الفكر الدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر، حول كتاب “الرحّالة” للدكتور سامي كليب – قاعة كنيسة مار جرجس – عبد للي – البترون – 27 أيلول 2019.

_____________________
* الأمين العامّ للمدارس الكاثوليكيّة الأب بطرس عازار اطّلع من رزق الله الحلو على التّحضير لفاعليّات “الموسم الخامس” من مباريات “جائزة الأكاديميّة العربيّة” وثمّن عاليًا الجهود المبذولة بالشّراكة مع “المركز التّربويّ للبحوث والإنماء” لتفعيل تعلّم اللّغة العربيّة.
* رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للرّوم الملكييّن الكاثوليك المطران عصام يوحنّا درويش اطّلع من رزق الله الحلو على وثيقة “بالمحبّة نبنيه” وبارك جهود نشرها.